عنــكـاوا AN-KA´-WA   –  دراسة تحليلية لاسم عنكاوا في ضوء العلامات المسمارية

برنارد يوسف عاشور

بكالوريوس آثار قديمة

مدير التراث والمتحف السرياني

 عنكاوا تلك القرية الموغلة جذورها في القدم، يرجع تاريخها إلى ما قبل نشوء الكتابة، فقد عثرت الهيئات التنقيبية في تل قصرا وخربة عنكاوا وروما د­قطما وغيرها على آثار يعود زمنها إلى حضارة  فترة العبيد (5300- 4000) ق.م وفترة ظهور الكتابة والمسماة بعصر الوركاء (٣٥٠٠) ق.م، أي أنها تعود إلى العصور السومرية. كما عثر على آثار وملتقطات تعود إلى العهدين الآشوريين القديم والوسيط من (2006- 934) ق.م 1 للمزيد انظر (تقارير بعثة التنقيب في تل قصرا لجامعة صلاح الدين للسنوات 2004، 2005، 2006 و 2008). وكهريز عنكاوا الذي يعود تاريخه إلى الحقبة الآشورية الحديثة ويعدّ من أهم المشاريع الإروائية للملك سنحاريب (704- 681) ق.م.  

هنالك قرية أخرى باسم عنكاوا في قضاء مخمور ولا ريب في وجود ارتباط بين العنكاوتين2 للمزيد انظر (عزيز عبدالاحد نباتي. تاريخ عينكاوة. ص21).

بطبيعة الحال، فعنكاوا كغيرها من القرى والبلدات والمدن التاريخية في العراق مرّت بمراحل وعهود كثيرة ومتغيرة وتعاقبت عليها حكومات متعددة، وبعد مرور آلاف السنين، لا بد أن يتغير اسمها حسب نظام الحكم والسلطة الحاكمة، كما هو الحال بالنسبة إلى مدينة (أربيل)، فهي كذلك سميّت بأسماء عدّة، وقد ذكرت أربيل في الألواح الطينية السومرية والوثائق الآشورية والبابلية بأشكال عدة، فعلى سبيل المثال ذكرت في إحدى الكتابات التي يعود تأريخها إلى (2100) ق.م تحت اسم (أوربيلوم)، وفي عام 1716 ق.م ذكرت في مسلة للملك الآشوري شمشي أدد، هذه المرة باسم (أوربيل)، وكذلك ذكرت في الوثائق الآشورية في القرن التاسع قبل الميلاد باسم (أربا- ئيلو) والتي تعني الآلهة الأربعة، وقد جاء على لوح من الطين يعود إلى فترة  حكم الملك آشور ناصربال الثاني (883- 859) ق.م  باسم (أربائيل)3 (فاروق حنا عتو، عنکاوا في ذاكرة أبنائها، ص23) وجاءت كذلك باسم (أربِل) و(أرويل) بعد دخولها المسيحية كما جاء في المصادر السريانية ثم صارت (أربيل) بعد تأسيس الدولة العراقية وأخيرًا (هه­ ولير).

لم تعثر التنقيبات الأثرية، لغاية الآن، على رقيم أو نص مسماري يرد فيه ذكر اسم عنكاوا بالتحديد، وما أتمناه هو أن تكثَّف جهود البحث والتنقيب، في المستقبل القريب، سواء في تل قصرا ومحيطه أو تحت أساس كنيسة مار كوركيس (حيث كشفت التعميرات التي أجريت فيها سنة 2019 عن نفق مبنيٍّ من الطابوق الآجري، ويعود تاريخه إلى العصر الآشوري الحديث 900 ق.م).

 لقد تم ذكر عنكاوا في كتب المؤرخين والرحالة وجاء ذكرها بصيغ مختلفة (عنكاوا، عین کاوه، ملقيا، عمكاباد، عمكو وعمکاوه).

 في بحثي هذا سأتطرق إلى أصل التسمية التي تقود جذورها إلى حضارة وادي الرافدين ولن أتطرق إلى الأسماء الدخيلة كـ(عین کاوه وعمكاباد) وغيرها من الألفاظ التي تعود بتاريخها إلى الاحتلال الفارسي والساساني للمنطقة، أي منذ سقوط آخر حكم وطني للبلاد وهي الدولة الآشورية في بلاد آشور وسقوط نينوى (612) ق.م والعصر البابلي الحديث (الدولة  الكلدانية) سقوط بابل (539) ق.م في الجنوب بيد الأخمينيين والدولة الساسانية (226)م.

يبدو أن لاختلاف لغات الدول الغازية المتعددة التي تولت المهيمنة على المنطقة عبر السنين، تأثيره في تحوير لفظها إلى عين كاوه وعمكاباد وعمكاوا4 (حنا عبدالأحد روفو، لمحة عن تاريخ عنكاوا ماضيها وحاضرها. ص18 ).

لقد كتب الكثير من الباحثين عن تاريخ عنكاوا اسمها ومدلوله، كما حاولوا جاهدين تفسيرمعناه بما توفر لديهم من إمكانيات باللغة السريانية فقط، فحاولوا تفسيرها بتلك اللغة، ولأنهم لم يدرسوا ولم يجيدوا اللغات المسمارية القديمة مثل اللغة السومرية واللغة الأكادية بلهجتيها (البابلية والآشورية) فلم يوفقوا في تفسير الاسم والوصول إلى معناه الحقيقي أو الأقرب إلى الحقيقي، إن صح التعبير، بما يتماشى ويتلاءم مع تاريخها العريق الموغل في القدم الذي يعود وكما ذكرنا إلى عصور ما قبل الكتابة وقبل ظهور اللغتين الآرامية والسريانية.

سأتحدث في دراستي هذه عن أصول أربع تسميات سميت بها عنكاوا من قبل المؤرخين ولها مدلولات سومرية و أكدية (بابلية وآشورية) و منها : ( عنكاوا، اينكاوو، ملقيا، عمكا و عمكو).

  1. عنكـاوا AN-KA´-WA 


 ذکرت عنکاوا5 في كتاب (آشور المسيحية) للمؤرخ جان فييه ص130 بهذه الصيغة (عنكاوا) ويذكر الكاتب الدكتور سعدي المالح في كتابه (عنكاوا في الأصل والفصل) وكذلك في روايته (عمكا)6 للمزيد انظر (الدكتور سعدي المالح، عمكا، سنة الطبع 2013. ص7 ) رأيه الذي يشير إلى أن اسم عنكاوا قد أُخذ أو استلهم من باب قلعة أربيل المقابل لعنكاوا والتي (أي قلعة أربيل) كانت فيها أربع بوابات ولكل بوابة اسم على اسم الإله الذي يحميها. أنا هنا أؤيد رأي الدكتور سعدي المالح فيما ذهب إليه، لأن لكل اسم مدلوله وأسبابه فبالنظر إلى البوابات الأربع لقلعة أربيل والتي سميت بأسماء آلهتها الرئيسة، نستطيع أن نستنتج بأن الباب المقابل لعنكاوا كان يسمى بـ(باب الإله آنو) أي إله السماء، وإذا قمنا بتحليل اسم (عنكاوا AN-KA´-WA) حسب لفظها السومري وبحسب المقاطع الصوتية لها نستطيع القول إن عنكاوا قد جاءت من ثلاثة مقاطع صوتية وهي:

                AN      : وتعني السماء.

                KA´      :  تعني الباب أو البوابة.                                                   

               WA      : لاحقة.

بعدما حللنا المقاطع الصوتية لاسم عنكاوا بحسب اللغة السومرية والكتابة المسمارية نصل إلى استنتاج مفاده أن لفظ عنكاوا قديمًا يعني (بوابة إله السماء) وهو الإله آنو الذي يحمي بوابة قلعة أربيل التي تقابل بلدة عنكاوا. واذا عرفنا بأن أقدم محلة في عنكاوا هي (طرا د دركا بالسرياني– ܛܪܐ ܕ ܕܪܟܐ) والتي تعني (طرا بالسرياني = الباب ) وكلمة (دركا بالسومري) متكونة من مقطعين صوتيـين

DAR             : السحق أو الدم

  KA´               : الباب

وتعني دركا DAR-KA´ (باب السحق أو باب الدم) وهو الباب الذي سوف يسحق كل متسلّل إليها ویسيل دم العدو المعتدي إذا حاول الدخول إليها. وبقيت كلمة دركا السومرية متوارثة من قبل الأجداد للأجيال اللاحقة، مثل الكثير من المفردات السومرية والأكدية التي ما زالت تستعمل حتى الآن سواء أكانت في السريانية أم العربية وحتى الكوردية، وبمرور آلاف السنين جرى تخفيف حرف (ك) إلى (كَـ) بعد الحكم الساساني (226- 637) م. ومن المفارقات اللطيفة يجدر أن نذكر أن كلمة (دركَا) في اللغة الكوردية تعني الباب وفي اللغة الفارسية يقال للباب (در).

  • اینکاوو         :                  

 
 لقد جاءت لفظة اينكاوو7 في (هارتمان في مادة أربيل. دائرة المعارف الاسلامية)  لـ (جواد علي. تاريخ العرب قبل الإسلام. بغداد 1957.ج6. ص334).

  اِختلف التلفظ باسم عنكاوا حتى بين سكانها فمنهم من كان يكسر حرف العين ويسميها عينكاوا ومنهم من يفتح حرف العين و يناديها عَنكاوا، ومثلما ذكرت في بداية بحثي، فليس لدينا رقيم طيني أو كتابة مسمارية تذكر كيف كان اسم هذه القرية أو البلدة يكتب قديمًا، و إن کل ماسنذکرہ هي اجتهادات أقرب إلى الواقع، حسب الأدلة المتواضعة التي بين أيدينا.

يقول الكاتب عزيز نباتي “لا يذكر زمن هذه التسمية ولا يشير إلى الموضع الذي أقتبس منه هذه اللفظة، وقد ترتقي إلى عهد الإمبراطورية الآشورية أو قبله أو بعده” 8 للمزيد انظر (عزيز عبدالاحد نباتي. تاريخ عينكاوة. ص22).

فإذا قمنا بتحليل اسم (إينكاوو) مسمارياً فإن:    إينکاوو        En -KA´-WA

EN  أو AIN   : وتعني الرب.

KA´             : وتعني الباب أو البوابة.

 WU : لاحقة .

 حينها ستصبح  EN-KA´-WUمعناها (باب الرب) وهي قريبة المغزى من عنكاوا AN-KA´-WA (باب رب السماء).

  • ملقيا uru Mil-qi-a     :
    يعود الفضل في اكتشاف هذا الاسم إلى الدكتور كوثر نجيب الذي عثر على هذا الاسم إِبّان تحضيره لرسالة الماجستر سنة 2014 في جامعة هايدلبيرغ- ألمانيا، حيث عثر في الكتاب المسمى (أطلس هيلسنكي للشرق الأدنى من العصر الآشوري الحديث للمؤلفین سیمو پار پولا ومیخائیل پورتر) على خريطة أربيل القديمة وكما هو مرفق مع الدراسة، تظهر ملقيا شمال أربيل وتبعد (5) كم فقط عنها وهي المسافة نفسها بين عنكاوا وقلعة أربيل تقريباً 9 (البحث المنشور للـدكتور كوثر نجيب، مجلة رديا كلدايا، عدد 52، سنة 2016). و أثناء البحث في قائمة المصادر وجدنا ما يذكر ملقيا والاسم الثاني لعنكاوا بصيغة Ainkawa)) والأهم من ذلك فإن المصادر الآشورية ذكرت عنكاوا كـ(بلدة) وليس كـ(قرية).

Milqia ملقيا البلدة وتقابلها عنكاوا قرب أربيل، معنى أصل تسميتها: نوع من القروض، أو البيع أو الدخل10، للمزيد انظر (علي ياسين الجبوري: قاموس اللغة الأكدية- العربية، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، 2010 ،   ص 342). ويمكننا تهجئة اسم ملقيا باللغة الأكدية وباللهجة الآشورية الحديثة:

Mil: السداد أو تسوية الحساب.  

qi: محاسب أو المفتش

a: السلطة أو الأجور أو العمل.   

يبدو أن هذا الموضع قد كان محطة من محطات طرق المواصلات واستراحة القوافل في العصور القديمة، ويحتمل أن يكون محطة من محطات المكوس والضرائب في العصر الآشوري الحديث11 للمزيد انظر (الجُمَيلي، عامر عبدالله: بعض مدن القوافل ومحطات الطريق في الشرق الأدنى القديم في ضوء النصوص المسمارية والمصادر التاريخية، مجلة آثار الرافدين، كلية الآثار بجامعة الموصل، ج 2، مجلد 6 ، 2021). فقد ذكرت عنكاوا في العديد من المصادر التاريخية وأشار إليها كل من ابن العبري في “تاريخ الزمان” وابن الفوطي في “الحوادث الجامعة”  في القرن الثالث عشر، و مرّ بها العديد من الرحالة الأوربيين وكتبوا عنها منهم: نيبور 1766 وأٌوليفييه 1794 وبيكنغهام 1816 وريج 1820 وبادجر 1822 وساوثغيث 1838 وريتوري 1878 وميجرسون 1907 وآخرون، لأنها كانت تقع على طريق الملك (الطريق السلطاني الكبير) وكان فيها خان كبير لاستراحة القوافل رسمه بيكنغهام ونشره في كتابه12(عزيز عبدالاحد نباتي. تاريخ عينكاوه. ص8) وهذا دليل قوي يدعم مكانة عنكاوا تاريخيًّا بأنها تقع على طريق الملوك والقوافل التجارية لجمع الضرائب وهي سوق لبيع البضائع لذلك سميت بـ(ملقيا). وصارت مكان استراحة المسافرين والتجار ويقدمون قرابينهم للإلهة عشتار حيث الخان الكبير هو معبد لها وكانت تسمى آنذاك بـ(الإلهة شاترو) في معبد E´. GAL . EDIN والذي يحتوي أيضًا على بيت أكيتو أي (بيت الحج) وقد قام الملك آشور بانيبال بترميم هذا المعبد13 للمزيد انظر (جون ميغينيس. ترجمة: نوري بطرس بولص. 2013. ص16 ).

كانت لعنكاوا شأن كبير في العصر الآشوري الحديث منذ بداية الألفية الأولى وزادت شهرتها التجارية والدينية في زمن الملك آشور ناصربال الثاني (883 – 859) ق.م حيث ذكر اسم ملقيا (أي مركز جمع الضرائب) في عهده وفي عهد الملك سنحاريب (705- 681)ق.م أيضًا. حيث اشتهر عهده هذا الملك بالمشاريع المدنية والإروائية، وسميّ من قبل الآثاريين بالمهندس المدني حيث قام ببناء نهر اصطناعي يأتي من بسطورة ليمر أحد روافده بعنكاوا ليوصل ماء الشرب إليها والرافد الآخر يمر من تحت قلعة أربيل وسميّ هذا المشروع بـ (كهريز) ليجعل من الصحراء مساحة خضراء تزدهر فيها الزراعة الموسمية، وخاصة في زمن حكم الملك شلمناصر الثالث  (681- 669) ق.م 14 (Parpola, simo-Porter, MICHAEL, 2001. S19) و (Röllig. W. Milqia, RLA. B.8. 1993- 1997. S. 207- 208).

وهنالك مفارقة لاحظتها في لهجة أهالي عنكاوا ألا وهي لفظة كلمة (مقيلا) والتي تعني (كم أو بكَم؟) على غرار أن يقال: كم جنيت من الضرائب (مقيلا أو مقا)، ولا عجب أن تكون هذه الكلمة متحورة من اسم وواقع بلدة ملقيا-مقيليا (عنكاوا) فهي تعطي تقريبًا المعنى نفسه، سواء أكان في زمن الملك آشور ناصربال الثاني 883 ق.م أم في زمننا الحالي 2022م.

  • عمكو    (Am – Ku )            و  عمكا (Am – Ka´ )

ورد هذا الاسم القديم  “عمكو” ضمن كتابة على صخرة اكتشفت في كنيسة مار كوركيس أثناء ترميمها، تعود لعام 816 م 15 للمزيد انظر(الدكتور سعدي المالح، عمكا، ص7 ). بينما يذهب الكاتب عزيز نباتي إلى تاريخ أحدث من سابقه فيقول: “من أقدم الآثار المدونة في عينكاوة والتي في حوزتنا هو حجر القبر الذي يرتقي بزمنه إلى سنة 927م “16  (عزيز عبدالأحد نباتي. تاريخ عينكاوة.ص22).


ويقول جان فييه: إن لفظة “عمكو” كانت تستخدم في القرن العاشر، ومن الأدلة على ذلك، هو الحجر الذي وجد في كنيسة مار كوركيس وقد كتب عليه “إن القس هرمزد من قرية عمكو توفي في الرابع من شهر تشرين الأول سنة 925م” 17 للمزيد انظر(فييه الدومنيكي، جان موريس. ت، توسا، نافع. 2011. ص. 130 – 131).

أما الصيغة الثانية “عمكا ” فقد جاءت في مخطوط مدون ورد فيه ذكرها وصيغة لفظها يرقى إلى 29 تموز 1285ميلادية، جاءت اللفظة على لسان المفريان غريغوريوس ابن العبري وهي “عمكاباد” 18 للمزيد انظر(ابن العبري، أبو الفرج غريغوريوس، التاريخ الكنسي، (3) أجزاء نشره ابيلوس ولامي، النص السرياني ص 557 لوفان 1872 – 1877 م). ويذكر الكاتب أيضًا دخول جيش الخليفة العباسي بعد وفاة مظفر الدين الكوكبري لاحتلال قلعة أربيل من باب عمكا أكبر بوابات قلعة أربيل.

 يقول الكاتب الدكتور سعدي المالح أن “عمكا ” هو تصغير لـ “عما” السريانية بمعنى العم أو بمعنى الشعب وكلا الاسمين قابل للتصغير20  (المصدر نفسه رقم 15).

وبسبب عدم دراية الكتّاب السابقين باللغات المسمارية القديمة، فلم يتمكنوا من تفسير تانك التسميتين، إلا بما يمتلكونه من خبرات في اللغة المحكية الدارجة، حيث يقول الكاتب عزيز نباتي: (أما كيف كان هذا الاسم يلفظ في العهد المعدني، ثم في بقية العصور إلى العصر الآشوري، فهذا ما نجهله !! (أضع خطًّا تحت هذه الملاحظة) ولعل الاكتشافات التي يقوم بها علماء الآثار ستميط اللثام يومًا ما عن حقائق هامة طواها الزمن وتزيح الستار عن المكنونات التأريخية19 للمزيد انظر(المصدر نفسه، رقم 16) ويبدو أن نبوءة (إن صح التعبير) الكاتب المرحوم عزيز نباتي قد تحققت في دراستنا هذه. بل إن مؤلف كتاب (عنكاوا في ذاكرة أبنائها) فاروق حنا عتو كان يشاطرني الرأي حينما قال: “جميع الاحتمالات التي أوردها المرحوم عزيز نباتي بنيت على أساس قِدم عنكاوا مخمور، إلا أن التنقيبات التي أجريت في السنوات الأخيرة على (تل قصـرا) كأقـدم مـوقع أثري في عنكاوا مـن قبـل المختصين من المنقبين والآثاريين والأساتذة المتخصصين، وفي أربعة دورات لطلاب قسم الآثار/ كلية الآداب جامعة صلاح الدين- أربيل، تؤكد أن تاريـخ هـذا الـتـل يـعـود إلى فترة العبيد أي (4000- 5000) قبل الميلاد. وقد عثر خلال التنقيبات على لقى أثرية تعود لحقب مختلفة. وهذا يعني أن تاريخ عنكاوا التي نحن بصددها يعود إلى الفترة نفسها التي تعود إليها عنكاوا مخمور. ولهذا الـسبب لم يبقَ أساس لما بنى عليه المرحوم عزيز نباتـي توقعاته، ولـولا وفاته المبكرة، قبل إجراء هذه التنقيبات، لقام بتعديـل أو تصحيح أو إضافة شيء آخر إلى رأيه السابق20   للمزيد انظر(فاروق حنا عتو هبي. عنكاوا في ذاكرة أبنائها.سنة 2017.ص22).

فاذا عدنا بكلمتي “عمكو” و”عمكا ” إلى الماضي العتيق، إلى عهود الفترة البابلية أو الآشورية فسنلاحظ أنها تعطينا معاني أخرى تختلف عن المعاني التي ذهب إليها المذكورون أعلاه.

لنأتِ هنا إلى تفسير الكلمتين حسب القاموس الأكدي (الآشوري والبابلي) الذي بين أيدينا وفقًا لمقاطعها الصوتية:

عمكو    AmKu

Am  : تعني ثور البرية .

Ku : فإنها تعني المحراث أو مكان لوضع. 

عمكا Am – Ka´

Am  : تعني ثور البرية.

 Ka´ : تعني الباب

وإذا ربطنا المقطعين الصوتيين فإن عمكو وعمكا ستعنيان حسب اللغة البابلية الآشورية القديمة بـ (محراث الثور) و (باب الثور).

يبدو أن بلدة عنكاوا قد مرّت بظروف سياسية ودينية عديدة ومتغيرة ومتقلبة أيضًا جعلتها تغير من اسمها تماشيًا مع مفاهيم كل سلطة حاكمة وسياستها في تلك الحقبة، فبعدما كانت عنكاوا تعني باب إله السماء وهو الإله آنو في العهد السومري، تغيرت إلى ملقيا في العصر الآشوري الحديث والتي كما أسلفنا كانت مكانًا لاستراحة المسافرين وجبي الضرائب وعمليات البيع، لتصبح عمكو وعمكا (مكان لوضع الثور أو محراث الثور)، فبعدما تركوا دينهم القديم الوثني الذي كان يعبد عدة آلهة مثل (آنو وإنليل وأنكي وعشتار وآشور ومردوخ وأدد وغيرهم) وأعلنوا اعتناقهم للديانة المسيحية، لم يغيروا حينها دينهم فقط، بل حتى لغتهم الأم الأكدية القديمة بلهجتيها الآشورية والبابلية، إلى الآرامية التي أصبحت لغة الكنيسة، وبمرور ألفي سنة مع الاحتفاظ بالكثير من الكلمات والمفردات الأكدية القديمة والموروثة امتزجت مع الآرامية لتصبح اللغة السريانية (لغة الدين الجديد، دين التوحيد والإيمان بالإله الواحد وهو “الله” بعدما كانوا يعبدون (آلهة متعددة)، وخاصة بعد الغزوات الفرثية والساسانية والفتوحات الإسلامية ليختاروا لبلدتهم تسمية (عمكا وعمكو = محراث الثور وباب الثور) وهو بطبيعته اسم هادئ ومسالم يبعدك عن مفهوم الحروب والاقتتال وينبذ الوثنية والشرك ويعطيك شعورًا بالهدوء والعطاء لأنه رمزٌ من رموز الفلاح المزارع الكادح الذي يحب الاستقرار وينشد الرخاء، ليعلنوا بذلك عهدًا جديدًا بقدوم المخلص يسوع المسيح إلى حياتهم التي تغذيها المحبة والسلام. ومن المفارقة اللطيفة أن تعلم أن أهل عنكاوا وبقية مناطق شعبنا يستخدمون مصطلح (عم عم) في كثير من الأحيان، دون قصد، ويحسبونها للسخرية والضحك وخاصةً لوصف الطفل وهو يشرب الحليب بسرعة وبشهية أو يستخدمون هذا المصطلح في أحيان اخرى للتنمر والسخرية من شخص ما عندما يلتهم الطعام ويأكل بشراهة قائلين: (قالت كوموخ عم عم دكخلت موخ تورا = أي أنك تأكل بشراهة كالثور)، وهم لا يعلمون بأن كلمة (عم) تعني الثور في لغتنا القديمة.

وفي الختام أتمنى أن أكون قد وفقت في دراستي هذه والتي أعتبرها الأولى من نوعها (إن لم أكن مخطئًا) التي تتدارس أسماء عنكاوا خلال حقب تاريخية متعاقبة تعود إلى حضارات وادي الرافدين القديمة، وتفسيرها عبر دراسة مقارنة باللغات المسمارية. وكلّي ثقة أن السنوات القادمة ستحمل المزيد من البحث والتحري والتنقيب واكتشافات جديدة علّها تقطع الشك باليقين لتكون الصورة أكثر وضوحًا.

لقد فضلت أن أكتب أمام كل معلومة اسم مصدرها ولم أسجلها في ذيل الصفحة كهامش أو احولها إلى نهاية البحث كقائمة للمصادر والمراجع والسبب يعود إلى أنني رغبت أن تكون الصورة واضحة أمام القارئ البسيط الذي لا علم له بأسلوب أو منهج البحث العلمي، فتكون المصادر بين يديه مباشرةً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap